حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

بأقلامهم : طرائف الصحافة السورية


طرائف الصحافة السورية



بقلم: سلمان عز الدين
صحفي سوري

يتداول الصحفيون السوريون هذه النكتة:
كتب محرر مقالاً عن مارتن لوثر (المصلح البروتستنانتي، ابن القرن الخامس عشر)، فاعتقد سكرتير التحرير أن المعني هو القس الأميركي الشهير الذي اغتيل عام 7691، فأضاف إلى الاسم: (كينغ)، وعندما وصل المقال إلى رئيس التحرير، عرف بذكائه المعهود أن الاسم صيني، ولكن إيقاعه الموسيقي مختل، فأضاف: (كونغ)، لتصدر الجريدة في اليوم التالي بمقال عن مصلح قاد ثورة ضد (روما) وأسس مذهبا جديدا في المسيحية، ولكنه يحمل أغرب اسم في العالم: (مارتن لوثر كينغ كونغ)..!!

قد لا يكون لهذه الحكاية أي أساس واقعي، ولكنها مع ذلك تصلح لأن تكون نموذجاً افتراضياً مثالياً يعكس واقع الحال في الصحافة السورية. إنها صورة تستمد عناصرها الأولية من الواقع، ثم تعيد صياغتها بطريقة أكثر تكثيفاً واتقاناً، مكتسبة بذلك قدرا من الخيال.. ولكن من قال ان واقعنا يحتاج إلى هذه التقنية، وهو الذي عودنا أن يكون أكثر غرابة من الخيال، وأكثر طرافة من أية نكتة مصنوعة...!؟

مازالت الذكرى ساطعة: كنا طلابا من كلية الصحافة نتدرب على صياغة الأخبار في صحيفة تشرين، كان السخط يأكلنا فالمحرر المدرب الواقف فوق رؤوسنا بدا مخبولاً موسوساً بمتطلباته العصية على الفهم، وبابتسامته التي بلا أسنان، كان يستفزنا بنصائح ثقيلة ملحاحة: (اشطبوا كل ما يشير إلى انشقاق في الحزب الشيوعي، تجاهلوا اسقاط تماثيل لينين، كل هذا يسيء إلى صداقتنا مع السوفييت..) ولكن الأخبار هذه واردة من وكالة أنباء سوفييتية..؟ هكذا سألناه ببراءة ساذجة...
- وليكن. هم أحرار, ولكن واجبنا أن نكون حذرين..

في تلك الأيام المحبطة نفسها سمعنا نكتة كان مدربنا هذا هو بطلها: فكواحد من محرري الأخبار السياسية كانت مهمته الوحيدة تنحصر في أن يشطب كلمة اليوم من الأخبار التي تبثها سانا، ويضع بدلا منها كلمة أمس، وعندما جاء خبر يقول: (ذكرت صحيفة اليوم الجزائرية أن....) كان أميناً لعادته اليومية الوسواسية، ليصبح الخبر: (ذكرت صحيفة أمس الجزائرية...).

توجب أن نقضي سنوات طويلة قبل أن نلامس التجربة الصفحية عن كثب، ونلج هذا العالم الغامض الذي اسمه (صحافة محلية)، لنعيد لهذا الرجل اعتباره: إنه ليس موسوساً بل محرر ملتزم ونموذجي، وكذلك - في الوقت نفسه - لننزع عنه هالته كواحد من أطرف الرجال الذين نقابلهم، إذ تبين أنه مجرد غر في مدرسة الظرفاء التي شيدتها الصحافة السورية.

كتب أحد المحررين عن كتاب لماركيز مستعيراً عنوان مقاله من عنوان أحد فصول الكتاب: (ماركيز... اقتباس غير مسلح)، فرأى رئيس التحرير أن العنوان غير موات في هذه الظروف الحرجة والدقيقة، ولا سيما في ظل الدعوات المشبوهة لوقف العمليات المقاومة في الأراضي المحتلة، فاختار عنواناً أكثر ملائمة: (ماركيز... كفاح مسلح حتى النصر)..!!

رئيس تحرير آخر ليس أقل نباهة، تسلم مقالاً عن مسرح الأطفال، فقرأ بقلق هذه العبارة: الأطفال يمتلكون الجرأة ليقولوا للمسرحيين المستهترين: إن الملك عار، فاستدعى كاتب المقال على عجل وعنفه بقسوة، ذلك أن عبارته هذه ستسيء لعلاقاتنا الأخوية مع الأنظمة الملكية الشقيقة...!!.

غير أن الأكثر ثقافة من بين رؤساء التحرير، كان ذلك الذي جمع محرريه الثقافيين وحذرهم من التعرض مجدداً بالنقد السلبي للواقعية الاشتراكية، مؤكداً: مازلنا بلداً ينتهج الاشتراكية، وعندما ذكره أحدهم بأن الواقعية الاشتراكية مذهب أدبي ولا علاقة لها باشتراكيتنا، أصر مع ابتسامة ساخرة: الاشتراكية اشتراكية سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الأدب...

بالطبع لا يقل مدراء وأمناء التحرير علما ومعرفة، واحد منهم أنب صحفياً بسبب عنوان ناقص: (أليس في بلاد العجائب)، متسائلاً: لماذا لا تكمل سؤالك.. أليس في بلاد العجائب ماذا؟ ولما شرح له الصحفي أنه ليس في الأمر سؤال، وإنما هو عنوان كتاب شهير لـ (لويس كارول) تحول إلى مسلسل أطفال، هز المسؤول رأسه بابتسامة صفراوية: (أعرف.. أعرف.. وهل ستعلمني.. إنها ذريعة لألغي مادتك عن هذا الكاتب الأجنبي المشبوه..).

إضافة إلى مهمتهم كحراس للشعارات والقضايا الكبرى، صار لمسؤولي التحرير مهمة إضافية هي حراسة الأخلاق والآداب العامة، فمنذ أيام وقبيل الطبع بدقائق انتزعت مادة صحفية من صفحة المجتمع لإحدى الصحفـ، وذلك بسبب جملة تقول: (يجب أن نربي أبناءنا تربية جنسية سليمة)، كتب المسؤول الرقيب على الهامش ملاحظة تفسر الرفض: (مادة إباحية تخدش الحياء العام).
وبعيداً عن الثالوث المحرم، سرعان ما يتخلى مسؤولو التحرير عن تشنجهم ويصبحون متراخين ومتساهلين، تراهم وكأنهم كهنة بوذيون، يعيشون تصالحاً لا نهائياً مع أنفسهم، وكونهم من أتباع النيرفانا، فلا يعنيهم أبداً أن يتزحزحوا من خلف مكاتبهم، لئلا يقطعوا خلواتهم المقدسة، يحوم الخبر فوق رؤوسهم فلا يعيرونه اهتماماً، تنهار الدنيا خارج جرائدهم دون أن يهتز لهم جفن, هذه الروح المسالمة الوادعة هي التي جعلت صحيفة تشرين تصدر بخبر عن الشاعر الفرنسي رامبو، مرفق بصورة لسيلفستر ستالون (الممثل الذي لعب دور رامبو في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة)، وهي التي جعلت جريدة الثورة تكرر المادة نفسها للكاتب نفسه مرتين في عدد واحد.

ولكن أهم تجليات هذه الروح النيرفانية كانت في حرب العراق الأخيرة، بغداد تسقط في أيدي الأميركيين فيما جريدة الثورة تكتب مانشيتاً عريضاً: (الأرتال الأميركية محاصرة وتطلب المؤازرة..) ومع ذلك فمن بين أكثر الطرائف مرحاً، أن تستفيق صباحاً، ليقال لك أن محرراً مختصاً بأمراض التفاحيات قد صار رئيس تحريرك، وأن كائناً مجهولاً يحمل اسماً غامضاً: (___) صار مسؤولاً عن الصفحة الثقافية في جريدتك...!!

نشر في مجلة المحاور



طباعة المقالة

الجمعة 27 أيار 2011 03:01:42 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا