حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

عين على الصحف : الأخبار اللبنانية: حمام خيري وريث شيوخ الطرب


حمام خيري وريث شيوخ الطرب



صحف عربية
الأخبار اللبنانية: هالة نهرا

موعد مع الموشّحات والقدود والمواويل والقصائد الغزلية تضربه لنا "مهرجانات بيت الدين" هذا الموسم. إنّه المطرب السوري اللامع المتحدّر من المدرسة الموسيقية والغنائية الحلبية العريقة.

بادرةٌ سارّة أن تخصّص "مهرجانات بيت الدين" أمسية للطرب الأصيل والغناء العربي التقليدي، في ظلّ اكتساح ظاهرة "التغريب" في لبنان. محبّو الموشّحات والقدود الحلبية والمواويل والقصائد الغزلية على موعد (12/7) مع "شيخ الطرب" حمام خيري في حفلة مميّزة يحييها برفقة "تخت شرقي" ضمن فرقة تتألّف من 25 موسيقياً.

المطرب السوري اللامع المتحدّر من المدرسة الموسيقية والغنائية الحلبية العريقة الذي رافق أديب الدايخ (1938) غناءً، وكَبُرَ محاطاً ومتأثّراً بعمالقة الطرب في سورية، مثل صبري مدلّل (1918 ـــ 2006) تلميذ الملحّن الشهير الشيخ عمر البطش (1885ــــ1950)، وصباح فخري...

القوالب الغنائية التي يؤدّيها هي مُرْسَلة وموقَّعة، ولا يخلو بعضها من تجديد وتحديث، كما ورد في موقع الفنّان الإلكتروني. يُخيّل إلى بعضهم أنّ أصل الموشّحات العربية أندلسيٌّ، فيما يُعدّ حلبياً على المستوى الموسيقي. يتألّف الموشّح من "دور" أوّل، و"دور" ثانٍ، و"خانة" حيث يتغيّر اللحن ويمكن أن يتغيّر الإيقاع أيضاً، إضافة إلى "قفلة" يُستعاد فيها اللحن الأساسي كلّياً أو جزئياً. أمّا القدود الحلبية، فتستند إلى ألحان تتأرجح بين الشعبي والكلاسيكي، وإلى كلامٍ زجليّ عموماً، يكون غالباً على شكل رباعيّات. تشتمل القدود على "مذهب" و"أدوار" (تحوي أربعة أشطر شعرية) تتقدّمها "لوازم" عزفية. وبينما تشابه "الليالي" التقاسيم العزفية، وتقوم على الغناء المنفرد المرتجَل حيث يعرض المؤدّي قدراته في التطريب، لا تكتسي "القصيدة" قالباً محدّداً، وقد بات المطرب يرتجل لحنها حديثاً. تتفرّد حلب بالقدود وبموشّحات عدّة ("فيكَ كلّ ما أرى حَسَن"، و"يا عيوناً راميات" مثلاً)، أعاد إحياءها مطربون استثنائيون، تتلمذ لهم حمام خيري، غارفاً ممّا توارثوه مشافهةً.

يملك خيري صوتاً دافئاً ومطواعاً يجيد استثماره في الغناء التقليديّ أكثر من الحديث، ويعرف كيفية تعديل الموروث جزئياً من دون إفساده. يفخّم بعض الحروف حيناً، مثل "الجيم" في مطلع موشّح "جادكَ الغيث" (من ألحان مجدي العقيلي، وشعر لسان الدين بن الخطيب)، ويشدو من دون تشديد اللفظ حيناً آخر، وقليلاً ما يخطئ في هذا المجال. ينتقل في موشّح "جادك الغيث" (مقام السيكاه) ــ الذي يرتكز على إيقاع "الدور الهندي" ــ من مقام إلى آخر، من دون أن يمثّل تنقّله ارتجالاً خالصاً بالمعنى التقليديّ، بل نقلةً مقامية تتضمّن المرتجَل وما قد يخاله بعضهم ارتجالاً في آنٍ، ما نكتشفه عبر المرافقة الآلاتية التي تكشف أحياناً عن تنسيق مسبق بين المطرب والفرقة. ينجح حمام خيري في إطراب الجمهور عموماً، ويتميّز بارتجالاته المندرجة في إطارٍ آخر يحوي التزويق (التزيين غناءً) و"الاستبدال" (إبدال بعض الجمل النغمية)، وبسرعة زخارفه الصوتية، ودِقّتها، وتدفّقها في مواضع محدّدة. كلّما مال إلى طبقة منخفضة، ازدادت رخامة حنجرته وعذوبتها، فيما يبدو صوته ناشفاً نوعاً ما في بعض "الجوابات" والطبقات العُلويّة، مع أنّه يجود فيها أيضاً. الأهمّ أنّه لا يشذّ عن النغم، ويعرف كيف يعود إلى اللحن والمقام الأساسيين إذا حاد عنهما، ما ينمّ عن تمرّسه. يبدو أداؤه وصوته واثقيْن في موشّح "يا وحيد الغيد" (من الشعر الأندلسي الشرقي) الذي يرتكز على إيقاع "السماعي الثقيل"، وارتأى أن يغنّيه وفقاً لسرعتين إيقاعيّتين، من دون أن يفرط في التفنّن فيه على مستوى "التأويل"، مكتفياً بالتنميق و"الديوانية" (على الأوكتاف) في عاقبة الموشّح.

تجدر الإشارة إلى أنّ غناءه مع الجوقة يُحدث "هِتِروفونيا" (نوع من التعدّد والتراكب النغميّ والصوتي) تُعَدّ من خصائص الموسيقى العربية وجماليّاتها، ولا تتولّد إلّا من ارتجال مشابه يُنتج تفاوتاً لحنياً طفيفاً بين المؤدّين. لا يضاهي حمام خيري أسلافه في موشّح "أيّها الساقي". يريحك من خلال أداء تشعر في زمن الأغنية السريعة بأنّه معتّق، قبل أن يُسكرك في موشّح "قد حلا شرْب المُدام"، متجلّياً في العديد من القصائد الغزلية. يؤخذ عليه استعانته بالكيبورد (الكهربائي) أحياناً الذي لا يناسب الجوّ الطربيّ والقوالب التراثية، وخصوصاً الحلبية منها، ويَسمُ بعض حفلاته بدمغة تجارية نوعاً ما. لا يقتصر غناؤه على القوالب التقليدية الحلبية والعربية، بل يشمل أيضاً الطرب المصري الحديث ("أنا في انتظارك" لأمّ كلثوم، مثلاً) الذي يبرع في تأديته على طريقته.

الأمسية الطربية التي يحييها حمام خيري في بيت الدين تحمل على الفرح والبسْط، وتجذب جمهوراً منوّعاً، وتبعث موروثاً موسيقياً وشعرياً عربياً نهضوياً، يحثّك على مقارنة أمجاد العرب و"زمان الوصل بالأندلس" بواقع عربي غامض يزداد تأزّماً. ولعلّ أهمّ ما تكشف عنه الحفلة انفتاح العرب تاريخياً، ما يتبدّى جليّاً في نتاجهم الشعريّ المغنّى الذي لا بدّ من أن يهزم يوما ما الظلامية المستشرية راهناً.

________________________________________



ذاكرة حلب:

حقّق حمام خيري في البداية نجاحاً خارج بلده في مهرجانات عدّة في تونس بدءاً من عام 1998، قبل أن ينال جائزة "أفضل أداء" في "مهرجان اتّحاد الإذاعات العربية" في القاهرة عام 2000. الفنّان المرهف الذي نهل من ذاكرة حلب وثقافتها الواسعتين اللتين دمغهما العالِم الرحّالة الشيخ علي الدرويش الحلبي (1884ــ 1952)، ونديم الدرويش (1919-1983)، والحاج بكري الكردي، إضافة إلى الأسماء المذكورة آنفاً... تعاون مع الملحّن الحلبي خالد ترمانيني (1963)، جامعاً في مسيرته بين الشعبيّ والمتقَن.



طباعة المقالة

الاثنين 02 تموز 2012 04:32:00 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا