حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

عين على الصحف : الجماهير: القاصّ هاني دقّة بين عبقِ الريف وأنوارِ المدينة


القاصّ هاني دقّة بين عبقِ الريف وأنوارِ المدينة



صحف محلية
الجماهير: عبد القادر حمّود

هاني دقّة، كاتب قصصي من مواليد 1974م في محافظة إدلب، وهو يقيم الآن في مدينة حلب، وقد انحاز إلى القصة بعد تجربته لكتابة النثر الفني، فكتب القصة القصيرة، والقصيرة جداً، ولعلَّه أكثر ميلاً إلى النمط الأخير، فأغلب نتاجه الذي بين أيدينا ينتمي إليه.

• لقد نبتَ هذا القاص في وسط ريفي، أقلّ ما يقال عنه إنه خلاّبٌ وساحر، فهو ابن جبل أخضر يختلط فيه عبق التاريخ وحلم المستقبل بألوان الأريج المنبعثة من شتّى أنواع الزهر والعشب والشجر، ولعل شجرة الكرز ذات الحبيبات الحمراء القانية والتي تتآلف ثمارها فيما يشبه مجموعة قصص صغيرة، وادعة، طبيعية، فيها من الألفة ما فيها، هي أقرب مثال يمكن أن نجد فيه بعض سمات القاصّ هاني دقة، إنه يمتح من ذاكرة خصبة وواقع مفعم، فقد حمل قريته الوادعة، بكل ما فيها، وكل ما يحيط بها، لتكون مروحة له في قيظ المدينة، وخيمة يأوي إليها كلما داهمه الحنين، والمدينة هي الأخرى لم تبخل عليه بأنوارها وتنهدات شوارعها المكتظة بالأسئلة.‏

• هذا، وبالنسبة لنتاج الكاتب هاني دقة فقد أصدر خلال مسيرته الأدبية مجموعة نثرية بعنوان (حنين إلى الدفء)، وذلك في عام 2005م، وقد وصفها بأنها (كلمات حانية)، وبعد ذلك أصدر مجموعتين من القصص القصيرة جداً، هما (عزف على وتر حزين) في عام 2006م، و(أموات على قيد الحياة) في عام 2007م، وله مجموعة مخطوطة يعدّها للنشر تحت عنوان (كلب الملك) وهي الأخرى مكرَّسة للقصة القصيرة جداً.‏

• ونشير إلى أنَّ الكاتب هاني دقة واحد من أسرة أدبية التقى فيها الأب (هاني) وابنته الشابة الواعدة (آمنة)، إضافة إلى شقيقه (مازن) الذي أصدر أكثر من مجموعة أدبية في القصة والمسرح والدراما.‏

• لقد قال اليابانيون فيما يخصّ فنهم الشعري الأثير (الهايكو)، إن من يكتب هايكو واحداً خلال مسيرته الشعرية فهو شاعر، ومن يكتب عشرة فهو شاعر عظيم، فهل يمكن أن ينسحب ولو بشكل نسبي هذا القول على القصة القصيرة جداً، والتي غالباً ما يتباين نتاج كتَّابها حتى خلال المجموعة الواحدة، لعلّ التكثيف المبالغ فيه أحياناً، والنبض المتسارع، والمتابعة اليومية، إن لم نقل على مدار الساعة للإلتقاطات، والومضات، والأفكار المناسبة، هو من جعل أدباء مثل هذه الفنون الوامضة المكثفة يقعون في مطبات أبرزها مطبّ الكمّ على حساب النوعية، أو أن اللحظات البارعة التي تنتج مثل هذا الفنّ نادرة، وقد لا تأتي كلّ حين.. فأين سنجد القاص هاني دقة، وأين ستكون قصصه أمام معايير فنّ القصة القصيرة جداً وطبيعته، وامتداد خارطته الآخذة بالتنامي.‏

• إني ذكرتُ في مناسبة سابقة أن القاصّ هاني بدأ تجربته وطوّرها بعيداً عن حلقات التنظير والادعاء، فجاءت هذه التجربة أكثر صفاء وعذرية، واحتفظت بذاتها المميزة فلم تغرق في متاهات التهجين، إلا بمقدار قد لا يكون ذا أثر يستحق التوقّف عنده. وبعد مضي سنوات على هذا الكلام ما زلت أرى في تجربته ما يؤكد ما ذهبت إليه في ذلك الحين وبخاصة فيما يتعلق بالمحافظة على تلك العفوية وذلك الصفاء، وهو ما ساعد في تحديد هُوية وصوت الأديب بما يميّزه عن بقية الأصوات، وما يَسِمُ تجربته بسمات تخصّها دون الآخرين.‏

وإني لأجد في تجربته أبرز الشروط التي وضعها أحد أكبر النقاد العرب قبل أكثر من نصف قرن، للأقصوصة (الأم الشرعية للقصة القصيرة جداً)، وهي أن تكون (فيها طبيعة قصّاص، يعرف كيف يتناول موضوعه وكيف يديرُ فكرته، وكيف يضمن شوقَ القارئ، ومتابعته للأقصوصة في غير تعمّد ولا تكلّف، ولا مغالاة براقة). وذلك دون أن يميل إلى (جوٍّ رومانتيكي مصطنع، ولا إلى أسطورة خيالية. إنه يمنحها الحرارة الإنسانية الطبيعية وحسب)، ويرى نقّاد آخرون أن على كاتب القصة تجاوز الشروط وعدم الرضوخ لها، والبحث عن شرط قصته الخاص الذي يحقّق من خلاله ذاته وذات القصة المكتوبة بشكل عام.

ولكي لا يبقى مثل هذا الكلام في مدار العموميات، والتنظير، لا بدّ من عرض نماذج من قصص الأديب هاني دقة، نتلمس فيها ما ذهبنا إليه. وفي هذا الصدد نختار بعض النماذج من مجموعاته المختلفة، مع الحرص على تنوّع في المضامين وأساليب القصّ، وذلك لتقديم رؤية معقولة حول أعمال الكاتب، وإن كانت هذه الرؤية ستكون نسبية بكل تأكيد، نظراً لأنّ ما نُقدّمه لن يُغني المتلقي عن العودة إلى نتاج الأديب والبحث عن المزيد، واكتشاف عوالم لم تسمح لنا المساحة المتاحة بالذهاب إليها، ففي قصة (الفراشة والبعوضة) يُقدِّم القاصُّ لوحةً لمخلوقتين ناعمتين تمتاز كلٌّ منهما بمأثور مختلف تمام الاختلاف عن الأخرى، ويخلق خيال الكاتب ماضياً مفترضاً للبعوضة، وحاضراً معروفاً لها، محملاً اهتمامَه واهتمامَ من حوله بالفراشة وِزرَ ذلك التحول الذي أصاب البعوضة، وهذا يجعلنا نعتقد أن البعوضة والفراشة مجرّد رمزين أحسنَ الكاتبُ التعاملَ معهما ليقدِّم لنا لوحةً مشغولةً ضمنَ قالبٍ نفسيٍّ (سيكولوجي)، وبُعْدٍ اجتماعيٍّ يُفضي إلى مقولاتٍ كثيرة: (كانت البعوضة من سكّان بيتنا، تطير هنا وهناك، كنا نراقبها باهتمام، وكانت مُسالمة، إلى أن دخلت الفراشةُ بيتَنا فلم نَعُدْ نكترثُ بالبعوضة، فصبّتْ جامَ غضبها علينا، سألنا أهلَ الخبرة، فقالوا: تحاولُ لفتَ الانتباه)، ولعلّ الملاحظة الوحيدة على القصة أن التحوّل الذي جاء فيها لم يكن مدروساً بما فيه الكفاية، فتحوّل البعوضة وهي من سكان البيت، جاء بعد تحول الاهتمام بها إلى اهتمام بالفراشة، وهي دخيلة على البيت، وهذا أمر يبعث القلق، ويحيل إلى افتراضات ما كانت لتكون لو أن كلتا المخلوقتين من السكان أو من الدخلاء. وغير ذلك، وفي قصة أخرى تحمل عنوان (الشمعة) يُحسن القاصّ التقاط حدثٍ يعرفه الكثيرون، إنما بأعينهم وأفكارهم، لا بعين وفكر المبدع، فالمبدع أوجد علاقة متقنة بينه وبين الشمعة، فحين اقترب منها بدا خياله كبيراً، وحين ابتعد صغر الخيال، ولكنه أراد خيالاً يغطّي الحائط، فكان لا بدّ من الاقتراب من الشمعة أكثر، إذن نحن أمام شمعة، وخيال، وحائط، ولكل من هذه الأقانيم إيحاءات ودلالات متعددة، وهذا سيجعل قراءة القصة تنفتح على قراءات مختلفة بحسب الإيحاءات والدلالات، وهذا يسجّل للكاتب، ويضاف إلى رصيد القصة ومخزونها الدلالي والمعرفي، مع الإشارة إلى الفنية البارعة المتمثلة بحسن التقاط الحدث وصياغة الفكرة، وكذلك ما تولّده القصة من أحاسيس ومشاعر دافئة تنسجم مع الفعل العفوي والطفولي المتمثل بالاقتراب من الشمعة ثم الابتعاد عنها، وهكذا، أليس هذا الاقتراب في بعض حالاته هو اقتراب فراشة (فريد الدين العطار) من الضوء، تلك الفراشة التي أشار إليها في كتابه (منطق الطير)، والتي لم تصل إلى الحقيقة إلا بدخولها إلى كُنْهِ النارِ التي تبعث ذلك الضوء، وبالتالي احتراقها، أوليس ما يقوله القاص هاني، ولعلها إحدى قراءات القصة، إن الشمعة تعني النور، والنور يعني الحقيقة أو المعرفة، وإذا أردت أن تنال القسط الأكبر من المعرفة وتفيد العالم بما اكتسبته (الخيال أو الظلّ مقابلٌ لنشر المعرفة)، فما عليك إلا الإيغال في طلب هذا النور أو تلك المعرفة من مظانّها، والغوص أكثر في منابعها. تقول القصة: (انقطعت الكهرباء، فأشعلتُ شمعة، ووضعتُها أمامي، فلاحظتُ أن خيالي على الحائط أكبر من حجمه الطبيعي، فابتعدتُ عنها، فعاد إلى حجمه، لكنني أردتُ أن يغطي الخيالُ الحائطَ كلَّه فاقتربتُ كثيراً من الشمعة)، ومن شمعة القاص هاني ننتقل إلى عالم آخر من عوالمه القصصية، إنه عالم الريف بما فيه من مفردات وتفاصيل تفضي إلى أحداث، يصوّرها الكاتب بأمانة تاركاً للمتلقي فضاءً واسعاً من التخييل يمكنه خلاله الرحيل إلى حيث أراد، وذلك ليعاين الأمور بنفسه ويستنتج مدلول كلٍّ من تلك العلاقات، إنها لوحة ريفية تشمل راعٍ وقطيع من الأغنام، تتقافز حوله الكلاب، إنه مشهد معهود، والقاص هاني دقّة مولع بالمشاهد العادية المعهودة يقتطعها من بيئته ومخزونه الجمالي والفكري، فيدخلها إلى مختبره لتخرج بلبوسٍ يتناسب مع طبيعة فنّ القصة ومهامه المختلفة، إن الراعي عند هاني دقّة يخرج عن كونه اليد الحانية والقلب الدافئ الذي يقود خرافه وأغنامه إلى حيث العشب الطري، في المروج النضيرة، والقطيع هو الآخر مستكين لا إرادة له، أما الكلاب فلها عملها، ولها مهمتها: (حيّرني راعي قريتنا، لديه آلاف الأغنام، يقودها كيفما يشاء، يبيع منها للقصّاب، يحلبها حتى آخر قطرة، يصنع جواربه من صوفها، ومن جلدها يصنع الحذاء، سألته: كيف تقودها دون أي اعتراض؟!، قهقه كثيراً، وأشار إلى الكلاب).. إن القصَّة دالّة في كل زمان وكلّ مكان، ولا تحيج المتلقي إلى مزيد من إعمال الفكر، وهذا وإن كان يمنح القصة بعضاً من الجماهيرية، فإنه يحدّ بعض الشيء من فنيّتها التي كان بإمكان الكاتب المحافظة عليها بشكل أكبر لو أنه حاول تغليف رموزه بهالة أشد كثافة من تلك التي بدت عليها، وهذا على كل حالٍ لا يقلل من شأن القصة التي بين أيدينا فهي بارعة ورشيقة وقريبة من ذائقة المتلقي، ورائحة الريف المميزة بنقائها وصفائها لم تبرح تفاصيلها، مهما أوغلنا في التخييل..‏

• وآخر القول، إن القاص هاني دقة واحد من مبدعي هذه المدينة الذين يحاولون النهوض بحركتها الأدبية، والتقدم بها إلى ما يليق بتاريخ المدينة ومكانتها، وإنه بمزجه لعبق الريف وأنوار المدينة استطاع أن ينتج مادته المحلاة التي تستسيغها الذائقة، وتقترب من القلوب أكثر وأكثر.‏



طباعة المقالة

الاثنين 23 تموز 2012 04:16:52 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا