حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

بأقلامهم : وللـديـمـقــراطيـة ســـــــمـات


وللـديـمـقــراطيـة ســـــــمـات



مدينتنا- خاص
بقلم: د. محمد جمال طحان

ظهرت في الآونة الأخيرة سلسلة من الكتب، بعضها يعيد قراءة الإسلام قراءة عصرية جديدة، وبعضها يهاجم الإسلام، وأخرى تدحض الفكر الإسلامي.

وأذكر منها: آيات شيطانية لسلمان رشدي، والكتاب والقرآن لمحمد شحرور، والإسلام في الأسر للصادق النيهوم.

وقد اختلفت وجهات نظر من قرؤوها حولها، حتّى إن بعض الناس قد أبدوا فيها آراءهم قبل قراءتها. وفي لقاء لي مع أحد علماء الدين في حلب أبدى امتعاضه من تلك الكتب، واستغرب كيف تسمح دولة إسلامية بإشاعة مثل تلك الأفكار فيها.

ولكنني تساءلت أمامه عن فلسفة بعض الدول في منعها، وما مبرّر ذلك عندها؟ فعدّل من جلسته وقال: إنّها تفسد عقول الشاب وتسيء إلى الإسلام.

حينذاك عدت بذاكرتي إلى سقراط الذي اتّهمه مجلس الشعب في ديمقراطية أثينا بإفساد عقول الشباب وإنكار الآلهة التي يعبدونها. فهل كان سقراط محقّاً، أم أن ديمقراطية أثينا الفذّة هي (المصيبة)؟

في القرن الرابع قبل الميلاد، ونزولاً عند رغبة محاكميه، تناول سقراط السمّ راضياً، ولكنَّ أفكاره بقيت متداوَلة بين شباب أثينا، وامتدّ فعلها حتّى الآن.

أمّا اليوم فإن الكتب الممنوعة هي الكتب الأكثر تداولاً بين القرّاء من الكتب التي تسمح بها سلطاتهم السياسية والدينية والثقافية. فلماذا نمنع في العَلَن ما نسمح بتداوله في السر؟

ثم سألت الأستاذ الفاضل - وأنا أحترمه فعلاً - هل تجد مسوَّغاً لحكومة ما أن تمنع كتاباً دينياً تراه أنت راقياً ومفيداً؟

أجاب: لا يجوز لها ذلك بكل تأكيد. فقلت له: لماذا إذن نعطي السلطات - أيّاً كان شكلها - مسوّغات المنع حين نصدر بياناً دينياً بأن هذا الكتاب ممنوع التداول لأنَّه يتعدّى على الإسلام أو المسلمين، ألن تجد القوى الضاغطة - حينئذٍ - مبرّرات لنفسها لتمنع أيَّ كتاب تظنّ أنه يضرّ بالمصلحة الوطنية أو القومية أو الثقافية أو الدينية، أو حتّى بممارساتها التعسّفية للسلطات الممنوحة لها؟!

إنَّ منع حريّة الرأي، كمنع حريّة التعبير، كمنع حريّة التفكير، كمنع حريّة التنفّس؛ يجب أن يكون هو - وحده - الممنوع.

الكتاب ليس قنبلة ولا بندقية، إنّه رأي وحسب.

فإذا كان الفكر الإسلامي صحيحاً، وإذا كان الرأي السائد صائباً، وإذا كانت السلطة ديمقراطيّة؛ لن يهمّ أيَّ من تلك الجهات أن تواجه النقد. بل على العكس، إنّها ترى في أيّ نقد يُوَجَّه إليها فرصة، إمّا لتوضيح وجهة نظرها لتُفهَم فهماً صحيحاً، أو لمحاولة تصحيح مسارها إذا كانت تسعى فعلاً إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولا بُدَّ لمن يُعنى بقراءة كتاب من أن يُعنى بقراءة ما كُتب من نقد حوله.

لا يا صديقي، ليس في القرن الواحد والعشرين بمسوَّغ لنا أن نعيش جاهلية من حاكم سقراط وجاليليو وعلي عبد الرزاق وسواهم، وهم كثيرون.

وبدلاً من أن تمنع الفكر من ممارسة دوره، مادام في إطار الفكر وحسب، حاول تقويمه، ناقشه، اترك له حريّـة أن يقول ما يشاء، وقل أنت ما تراه صحيحاً، ولا يصحّ إلاّ الصحيح في نهاية المطاف.

ألا ترى بأن الأرض قد أثبتت كرويّتها بالرغم من معارضة العلماء ورجال الكنيسة والقائمين على السلطة السياسية؟ وبالمقابل فقد سقط كثير من آراء داروين وفرويد.

إنّ في مصادرتنا فكر الآخرين، تبريراً لهم ليصادروا علينا حريّة التفكير والتعبير. فليكن لنا من رحابة الصدر، ما نريده من الآخرين ليصغوا إلينا.

وربما يكون هذا هو الحرف الأوّل في أبجدية الديمقراطيّة المبتغاة.



طباعة المقالة

السبت 14 كانون ثاني 2012 01:27:39 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا