حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

بأقلامهم : عن وفاة عادل ميري


بِمَوْتِهِ ماتَتْ قِطْعَةٌ مِنْ حَلَب



م. تميم قاسمو*

مات طفلٌ استطاعت أمٌ أرملةٌ أن تصنع منه بإصرارها رجلاً ليس كالرجال.‏

مات تلميذ
ٌ مر ذات يوم في "سوق الخابية" يمشي بثياب المدرسة، فناداه "ابراهيم هنانو" الذي كان جالساً في دكان، وسأله عن دراسته فأجابه فخوراً، ثم انصرف عنه وهو كما قال لي" كأنما أصبح يرتدي ثياباً من ذهب".‏

مات الكشاف الذي ما أن سمع بثورة "رشيد عالي الكيلاني" التي نشبت في العراق حتى ترك مقاعد الدراسة ليشارك فيها مجتازاً البادية مع رفاق له، ثم ليعود كسير الخاطر لأن الثورة انتهت قبل أن يصل بغداد.‏

مات ذلكعلى ظهر أول مصفحة في عيد الجلاء الأول عام 1946- (المصدر: أرشيف المحامي علاء السيد) الضابط "الدركي" الذي تصدى بنفسه ليقبض على مهرب فارٍ مسلح، ودخل عليه عقر داره، فسقط المهرب في يده مستسلماً من هول شجاعته.‏

مات الذي قاد بمصفحته العرض العسكري الأول في حلب بعد جلاء الفرنسيين عن سورية عام 1946، ثم اجتاز نهر الأردن بمصفحته تلك حين حاذرت الدبابات أن تجتازه، فكان أول الذين عبروا نهر الأردن عام 1948، فصنعوا مجداً للجيش السوري في معركة "كَعْوَش".‏
مات وهو يأبى أن يدعو " كَعْوَشَ " باسمها الصهيوني "مشمار هايردن"، بل كان يصحح لي في كل مرة قائلاً: بل هي" كَعْوَش "، هي" كَعْوَش".‏

ماتمصدر الصورة: أرشيف المحامي علاء السيد ضابط الشرطة الذي تنقل في أنحاء سورية، فغرس في كل مكان حل فيه قيم النظام والانضباط والإخلاص والنزاهة.‏

مات محافظ الحسكة الذي كان لا يدخل مكتبه صباحاً قبل أن يتفقد مشاريع المدينة بنفسه ويطلع على ما يعيقها، مات المحافظ الذي سألته في حفل تكريمه: لماذا مازالوا يذكرونك في الحسكة بعد مرور خمسين عاماً؟ فأجابني على الملأ: لأنني لم أعدهم يوماً بشيء لاأستطيع الوفاء به.‏

ماتمصدر الصورة: أرشيف المحامي علاء السيد المحافظ الذي قال لجمال عبد الناصر حين أراد أن يندبه لحضور عشاء كان قد دعا إليه أعيان محافظة "الحسكة"، قال له: إنهم لم يأتوا ليأكلوا وإنما أتوا ليجلسوا مع زعيم البلاد، فكان له ما أراد.‏

مات رئيس بلدية حلب الذي كان يدقق في كل شيء حتى في استهلاك مياه "مَبَاول"ساعة باب الفرج - الحمامات العامة - وإنارة مسلخ الراموسة، مات ذلك الذي قال: كنت أتصرف في المال العام بحرص كما لو اني أتصرف بمالي.‏

ماتمصدر الصورة: أرشيف المحامي علاء السيد الذي لم يشأ إثر تقاعده المبكر عام 1964، أن يكتفي بشأنه الخاص فينصرف إلى العمل الحر محامياً أو تاجراً، بل نشط في الشأن العام مواطناً عادياً، حيث انتخب ثلاث مرات في مجلس مدينة حلب كان في إحداها عضواً في المكتب التنفيذي لمحافظة حلب، وفي تلك المواقع كان أداؤه مثالاً للاستقامة و الوطنية والحزم.‏‏

مات العامل في مجال الخير متطوعاً في لجنة جامع ومشفى الرحمن حيث شغل موقع نائب رئيس اللجنة لثلاثين عاماً مابين 1978- 2008، وأسس فيه مركزاً طبياً رائداً للمعالجة الفيزيائية.‏‏

مات المنشد الدائم في فرقة العاديات للأناشيد الوطنية، مصدر الصورة: أرشيف المحامي علاء السيدتلك التي ساهم في إنشائها ولم يتخلف يوماً عن تمارينها، مات ولم يَحْتَجْ يوماً أن ينشد ناظراً إلى كراس الأناشيد في يده، بل كان يتلو الأناشيد عن ظهر قلب كأنه مازال ذلك الطفل الذي أنشدها ذات يوم في ساحة المدرسة. مات وفي قلبه تلك الأناشيد... " في سبيل المجد والأوطان نحيا ونبيد، كلنا ذو همة شماء جبار عنيد..."‏.

مات فوضع نقطة الختام لحياة قضاها عاملاً دون كلل ولمذكرات كتبها وشاء أن ينشرها في حياته، ولعلها تنشر في يوم من الأيام.‏
مات " أبو أحمد" الجاد في موطن الجد والعمل، الطلي الحديث في موطن السمر ومجالسة الأصحاب.‏

ماتمصدر الصورة: أرشيف المحامي علاء السيد العميد المتقاعد عادل ميري كما شاء أن يُقَدَّم على المنابر... مات عميداً.‏

تعزي حلب نفسها حين تذكر أنها بادلته وفاء بوفاء وكرمته مرات عدة كان آخرها حين بلغ التسعين منذ أقل من عام في حفل مهيب.‏
وتعزيها حين تنظر إلى سنة الله في خلقه، حين ينفتق الغصن عن براعم، فينمو البرعم الكسول بطيئاً متعثراً وما يلبث قيظ الصيف أن يردِيَه ميتاً، أما البرعم العنيد فيصبح غصناً يعطي ورقاً وزهراً وثماراً، و يطول الغصن و يغلظ ويقسو بمرور السنين، إلى أن تأتي يد الزارع لتقلِّمه، لكن الرحيم الحكيم يترك من الغصن العنيد قلماً، فيه برعم أو ثلاثة، فيأتي الربيع ويُنبت من تلك البراعم أغصاناً جديدة.‏  و في ذلك يكمن العزاء الحقيقي.‏

tamimkasmo@gmail.com‏

* باحث من حلب- أمين سر جمعية العاديات



طباعة المقالة

الأربعاء 01 شباط 2012 04:27:07 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا