حـلـب

متصفحك لا يدعم الفلاش

احصل على البلاير

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

ثقافة : هؤلاء "الفسابكة"


هؤلاء "الفسابكة"



مدينتنا

facebookابتدع الكاتب اللبناني أحمد بيضون مفردة طريفة لهواة "الفايسبوك" العرب هي "الفسابكة" وسمّاهم "معشر الفسابكة" ترسيخاً لعروبتهم، لكنه لم يشتقّ الاسم المفرد من هؤلاء، وفي ظنّه أنهم لا يبرحون حال الجمع ولا مفرد لهم، نظراً إلى فعل التواصل "الفايسبوكي" الذي ينبذ فكرة الفرد، جاعلاً إياه شخصاً في جماعة، معروفة أو افتراضية. وهذا المصطلح الذي أرساه بيضون "العلاّمة" المعاصر، المتضلّع من اللغة وسائر المعارف والأهواء، جعله الشاعر رامي الأمين عنواناً لكتاب شديد الطرافة هو "معشر الفسابكة"، تبنّته دار الجديد المعروفة بمبادراتها الفريدة، وأولته اهتماماً، نشراً وتحريراً.

أصبح "الفسابكة" في المعترك الثقافي العربي الراهن ظاهرة لا يمكن التغاضي عنها ولا تخطّيها.

إنهم الآن يحتلون "الساحة" على اختلاف جغرافيتها. فرسان يخوضون يومياً معارك ليست بهوائية، يكتبون بحرية، كلٌّ على حدة، ثم يلتقون في ما يشبه الحوار العام والمفتوح، معبّرين عن آرائهم، بلا هوادة ولا حسبان.

إنهم "أبطال" هذا الحيّز الافتراضي الذي لا يضيق بفكرة مهما تطرّفت، ولا برأي أو نقاش. إنهم خطباء هذا الـ "هايدبارك" الحديث (أو ما بعد الحديث)، كما يصفه رامي الأمين، هم الرفاق الذين ينتسبون إلى "الفايسبوك" انتسابهم إلى حزب، لا تحدّه عقيدة ولا أيديولوجيا، حزب لا يحتاج المنتمي إليه إلى شهادة سلوك أو بطاقة انتماء. إنهم في الاحرى، اللاحزبيون الذين يجمع بينهم حزب "المرآة" الصغيرة، التي فيها يرون وجوههم ووجوه رفاقهم، يحدّثونهم ويكاتبونهم، يتبادلون بعضهم مع بعض، أفكاراً ومواقف، يكتبون ما يشاؤون ويقرأون ما يشاؤون، ثم يلهون ويمرحون كما يحلو لهم.

كتاب رامي الأمين يستحق قراءة على حدة، فهو كتاب فرد وجماعة، كتاب حقيقي وافتراضي في آن واحد، يضع مفهوم "الفايسبوك" على المحك، مسائلاً إياه وعارضاً وقائعه وما يحيط به من حسنات كثيرة... لكنّ ما يتفرّد به هذا الكتاب هو فتحه باب السجال حول قضية "الفايسبوك" والأسئلة الكثيرة التي يطرحها والتي لا يمكن إيجاد أجوبة لها، حاسمة أو شافية.

فـ "الفايسبوك" بات معلماً من معالم الثقافة المعاصرة - والعصرية - ولم يعد متاحاً تجاهل الأثر الذي يحفره في الذاكرة الثقافية. ومهما قاوم الكثيرون من المثقفين العرب الانتساب إلى هذا "الحزب"، أو تغاضوا عنه وأهملوه، فهم لا يستطيعون إنكار الدور الذي يؤديه في صميم الثقافة الراهنة... ولكن، لا يمكن ايضاً وصف هؤلاء "المقاومين" - وأنا منهم على سبيل المثل - بـ "المتخلفين" زمنياً أو عصرياً... لا سيما انّ كثرة منهم لم تجد في "الفايسبوك" ضالّتها، مؤثرة التواصل القديم، الأشدّ عمقاً وإنسانية واحتراماً للآخر.

لا أدري إن كان "الفايسبوك" وسيلة تواصل حقيقي. يخيل إليّ - وإلى الكثيرين أمثالي - أن "الفايسبوك" وسيلة "انقطاع" أو انعزال أكثر مما هو وسيلة تواصل. يجلس الشخص أمام الكومبيوتر وحيداً، في حال من العزلة التامة، يبصر وجهه في "المرآة" الافتراضية المنتصبة أمام عينيه، ثم يبدأ الكتابة إلى الآخر، الذي قد يكون صديقاً أو خصماً وربما عدواً.

هذا تواصل من بعيد، تواصل غير متواصل، تواصل بالقوة، تواصل آني وعرضي وعابر... الكاتب هنا ليس بكاتب، والقارئ ليس بقارئ، مع ان الفرصة سانحة للجميع كي يكونوا كتّاباً وقراء، من غير شروط ولا معايير ولا نقد... حتى الأخطاء مسموحة ولا أحد يحاسب أحداً عليها. حتى الهفوات، كبيرةً أو صغيرةً، حتى الركاكة والضعف... إنها الكتابة مستسهلةً: أقل قدر من المفردات، كما يقول رامي الأمين في التقديم، أقل قدر من الجمل، من تركيب الجمل أو صنعها، أقل قدر من الكلفة والمتانة وأعمال الصوغ والتعبير. إنها الكتابة في العصر الاستهلاكي الذي شرّع "الكومبيوتر" (وملحقاته جميعاً) أبوابه على مصاريعها، سامحاً لأي كان ان يصبح كاتباً، كما يشاء وكما لا يشاء...

لو كان الشاعر الفرنسي لوتريامون حيّاً الآن لعدل عن مقولته الصارخة: "ليكتب الجميع..."، شعراً أم نثراً. الكتابة يجب ان يمارسها الجميع، قال لوتريامون. هل حقق الكومبيوتر (وملحقاته) حلم الشاعر الملعون والمريض والعبقري الذي قضى شاباً؟ حتماً لا. فهو لم يطلق هذه الصرخة إلا يقيناً منه أن البشر لن يتمكنوا من الكتابة جميعاً، وأن الكتابة، كما علّمتنا "أناشيده"، فنّ نخبوي وموحش... أليس الكثيرون من الذين يملأون شاشات الكومبيوتر، بجملهم ومقاطعهم وكلماتهم وهفواتهم وأكاذيبهم، هم غير أهل لأن يكونوا كتّاباً؟

يظلم "الفسابكة" الكتاب عندما يقارنون بينه وبين "الفايسبوك"، فينحازون إلى "الفايسبوك" من دون تردد. هؤلاء مقصّرون-ربما- عن فهم معنى الكتاب وأسراره. و "الفايسبوك" لن يكون البتة مثل "السيف"، الذي يستحضره رامي الأمين من قصيدة أبي تمام البائية، ليقول إنه اصدق إنباء من الكتاب، وإن في حدّه "الحد بين الجد واللعب". الكتاب سيظل سبّاقاً، أياً كان شكله، ورقياً أم إلكترونياً. "الفايسبوك" هو فسحة لخيانة الكتاب والكتابة، إلا إذا اعتبرنا الكتابة ضرباً من اللهو والمزاح. لكنّ هذا الأمر لا ينطبق على كل "الفسابكة"، بعضٌ منهم كتّاب كبار وما يدوّنونه هو في مكانة ما تحمله كتبهم.

"تخيلوا حياتكم من دون فايسبوك"، يقول رامي الأمين في صيغة تشبه السؤال. شخصياً أجيب: أجل، إنني أتخيل حياتي من دون "فايسبوك". إنها الحياة التي لا أستطيع أن أتخيلها من دون كتاب.

المصدر: صحيفة الحياة



طباعة المقالة

الاثنين 27 شباط 2012 12:20:31 مساءً


 

مركز مهارات الأوائل إيبرو مول اسكندرون ACACIA Stylish معهد دار المهندس الأول للبصريات خيال سولا