مدينتنا

فن ودراما : "فرقة ناجي عطا الله"...


"فرقة ناجي عطا الله".. عادل إمام يدخل من الشباك!



مدينتنا

يتابع ملايين العرب بشغف أحداث المسلسل الرمضاني "فرقة ناجي عطا الله" الذي تبثه قناة "أم بي سي" ورصدت له حملة إعلانية تعد الأغلى ثمناً في الإنتاج التلفزيوني.

وأثار المسلسل منذ عرض حلقاته الأولى ضجة كبرى، أفاد منها صانعو العمل للترويج بشكل أوسع له.

وكالعادة في الأعمال التي تتناول العلاقة مع "إسرائيل"، لعب عنصران متناقضان معا على زيادة حدة النقاش، فمن جانب شنت وسائل إعلام إسرائيلية هجوماً على العمل التلفزيوني برغم أن شركات "إسرائيلية" سارعت إلى قرصنته وتقوم بعرضه مع ترجمة بالعبرية على شاشات محلية، وبات يحظى بنسب مشاهدة عالية داخل "إسرائيل"، في المقابل سارع البعض في العالم العربي إلى اتهام المسلسل بالوقوع في فخ التطبيع، من خلال تقديم لوحات يفترض أن تكون من داخل المجتمع "الإسرائيلي" وتظهر "حالات إنسانية"، بحسب تعبير أحد المعلقين.

من الطبيعي أن يكون من المبكر الحكم على العمل الأول لعادل إمام تلفزيونياً منذ ثلاثين سنة، وأحداث القصة مازالت تتطور في بداياتها، لكن المقدمات المطروحة تكفي للتدليل إلى أن المسلسل يحمل محاولة من "الزعيم" للعودة إلى عقول وقلوب الشارع العربي من شباك "أنا بكره إسرائيل" بعدما فشل في دخول بوابة التغيير التي فتحت على مصراعيها في مصر والعالم العربي و"خان" بذلك تطلعات البسطاء الذين كان يتحدث بإسمهم في أفلامه.

تدور أحداث المسلسل حول قيام عصابة يقودها إمام بسرقة بنك ضخم في "إسرائيل"، وخلال عبورهم بالأموال التي تم السطو عليها تحدث مفارقات عديدة، وعند مرورهم بعدد من الدول يواجهون أحداثاً مفاجئة.

الحلقات الأولى للمسلسل لم تحمل جديداً، لجهة تكرار القفشات و"الافيهات" المبتذلة أحياناً، وحتى عندما جهد المؤلف يوسف معاطي في توظيف النكتة عن جشع اليهود وحبهم للمال جاء الأداء باهتا وغير لافت للأنظار.

ناجي عطا الله ضابط سابق في الجيش وملحق إداري في سفارة مصر بتل أبيب، شخصية مختلفة عن باقي أفراد السفارة، يتعاطى مع الإسرائيليين، ولديه منطق خاص، يحمل من التناقضات الكثير، فتراه صديقا لصاحب المطعم "الإسرائيلي" الذي يزوده بالجمبري المحرم عند المتشددين اليهود، ثم يصادق المسؤول الأمني لواحد من أكبر البنوك "الإسرائيلية"، وتراه يؤخر رواتب الموظفين أياما للإفادة من نسبة فوائد عليها، ويكرهه ضباط "الشاباك" لأنه محبوب ولديه شبكة علاقات واسعة "مثيرة للشكوك" ويلاحقه الجهاز الأمني لأن لديه حساباً ضخماً في البنك برغم أن راتبه محدود، بينما لا يعرف الجهاز ذاته شيئاً أهم من ذلك بكثير، فالدبلوماسي المصري يستخدم بيته لفتح طاولة قمار لشخصيات "إسرائيلية" بارزة برغم أن القمار محرم أيضا في "إسرائيل".

في المقابل غاب عن العمل أي تذكير بأن ثمة آخرين هنا غير اليهود، فلم تظهر أي شخصية عربية في الحلقات الأولى للمسلسل.

على هذه الخلفية نسج المخرج رامي إمام شخصية ناجي عطا الله وجهزها فنياً لـ"خوض المعركة" مع "الإسرائيليين".

بدت المقدمة باهتة لعودة أحيطت بكثير من الأضواء، بعد غياب طويل لعادل إمام عن الشاشة، ويشعر المشاهد أنه عاد بنفس المنطق الذي كان يرفض بسببه في كثير من الأوقات أعمالاً تلفزيونية، خصوصاً ما يتعلق بتوظيف القفشة بشكل مبتذل أحياناً، وبركاكة العمل إخراجياً لجهة عدم مراعاة احترام عقل المشاهد في تفاصيل بسيطة، ليس أكثرها سطحية أن الملحق الإداري في السفارة هو من يقوم باستقبال الضيوف في حفل دبلوماسي وهو من يلقي خطاب الدولة المصرية في تجاهل لأبسط قواعد عمل المؤسسة الدبلوماسية وتغافل لوجود السفير أصلاً، وإصرار على الحرص الدائم على استدعاء شخصية النجم الأوحد.

في الجانب الثاني من المشهد، يبدو الاستدعاء المكرر والسطحي واضحاً أيضاً لجهة الظروف التي يمر بها أعضاء الفريق الذين سيغدون لاحقاً "فرقة ناجي عطا الله" فهم كلهم شبان يتميزون بأداء ممتاز في تخصصاتهم لكنهم فقدوا مجالات إثبات وجودهم وشغل أماكن مناسبة لهم بسبب تغلغل الفساد والمحسوبية.

هنا يبدو أن التعديلات التي خضعت لها الرواية بعد انتصار ثورة 25 يناير وسقوط نظام حسني مبارك حاولت أن تلعب على وتر يقرب العمل من مبادئ الثورة.

ومعلوم أن القصة كان ينبغي لها أن تظهر كعمل سينمائي وليس تلفزيونياً، على أن تتولى إنتاجه قناة "اللورد" التلفزيونية، لكن الأخيرة انسحبت من الموضوع خوفاً من تكبدها خسارة مالية كبيرة بعد السقوط التجاري لفيلم "بوبوس" لعادل إمام، إضافة إلى انتهاء العلاقة بين إمام وشركة "جود نيوز" للإعلامي عماد الدين أديب، وبالتالي فإن الفيلم لم يجد شركة تنتجه، فتقرر تحويله إلى مسلسل تلفزيوني يقوم على إنتاجه التلفزيون المصري في عهد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، ورصدت له ميزانية ضخمة وصلت إلى سبعين مليون جنيه بالشراكة مع"أم بي سي".

لكن تغيير النظام، انعكس على المسلسل، واشترط التلفزيون المصري قراءة النص ومراقبة الحلقات.

عنصر آخر لا بد من الإشارة إليه، فالمسلسل يكرر في حلقاته الأولى نفس الأخطاء التي وقعت بها الأعمال السينمائية التي ناقشت مسألة الصراع مع "الإسرائيليين" لجهة التسطيح الزائد، بدلا من محاولة التعمق في فهم العلاقات الداخلية في "إسرائيل"، وتوظيفها بشكل درامي صحيح لخدمة العمل، وربما سعى المخرج رامي إمام من خلال طريقة تقديم المجتمع "الإسرائيلي" إلى نفي التهمة عن والده بالتطبيع، لكن الأدوات الفنية لذلك كانت ضعيفة.

عادل إمام أطل على الشاشة الصغيرة في "دموع في عيون وقحة" قبل ثلاثة عقود، وعاد في "ناجي عطا الله" بالموضوع "العربي- الإسرائيلي" وبالوجه والأداء ذاته، رغم أن مصر والمجتمعات العربية شهدت تحولات عميقة لم تأخذ حقها كثيراً سينمائياً أو تلفزيونياً.



الجمعة 27 تموز 2012 09:45:01 مساءً